ذكر العلامة ابن خلدون أن قبيلة “مسوفة” الترقية البربرية مرّت بأرض وادي سوف الصحراوية الجزائرية فسمّيت المنطقة باسمها أي “ودي سوف”.. وفي هذه المدينة يوجد أقدم سوق، يعود تاريخه للقرن 16 ميلادي وسمي شوق الأعشاش، كون بيوته صغيرة تشبه الأعشاش.
ونقلت مجلة “الشروق العربي” في زيارة لها داخل هذا السوق، أن الحي القديم والسوق مصنفان ضمن التراث العالمي، ويحوي رحبة اليهود التي استقرت فيها أكثر من 32 عائلة يهودية، إلى غاية الاستقلال.
وتعود نشأة هذا الحي العتيق إلى القرن 16م عندما هاجر العش بن سليمان إلى وادي سوف، في حدود القرن السادس عشر ميلادي. وقد ساهم أهل الطرود في تأسيس الحي، وتوسعته ليمتد ويتسع أكثر. وكان الشغل الأساسي لليهود برحبة اليهود في سوق الأعشاش هو العمل الحرفي، كـ”القرداش”، وهو غزل الصوف بآلة يدوية اسمها “القرداش”، و”الذهب” و”الفضة” و”النحاس”.. مع وجود تجار يبيعون المواد الغذائية واللحوم لكافة السكان.
الإسكافي، اللحام، الخياط، العشاب، الطباخ.. كلها حرف تطل بمحلاتها ودكاكينها الضيقة القديمة، أشخاص لم يلتحفوا رداء التطور، بل حموا حروفا توارثوها أبا عن جد. هم أصليون في تفكيرهم الذي لا حدود له. طيبون بمحياهم وابتسامتهم العفوية، كرماء كلهم جود وسخاء وعطاء، حين يتعلق الأمر باستضافة واستقبال. عند أولئك الحرفيين تعبق رائحة المواد في دكاكينهم، وتأخذك الروائح الطيبة، في أول الزقاق لتأخذك في نهايته، عند “طبّاخ” مثلا تفننت أنامله الخشنة في تحضير ألذ طبق عرفت به المنطقة منذ زمن وذاع صيته، ووصل إلى العنان إنه طبق “الدوبارة” وهي أنواع: “دوبارة حمص”، “دوبارة فول” أو “مزيج من الاثنين”.
كما تقودك روائح ذكية إلى دكان “عشّاب” أصبح محله لفرط ما فيه، غابة بأكياس مكنوزة بأعشاب، وعقاقير، وبهارات لا شك في فائدتها، ولا شك في صدق بائع لا يغالي لتشتري إنه فقط يعطيك بطاقة فنية عن كل عشبة، ويجزل الجواب لأسئلة، تتدفق في وجهه دفعة واحدة.
كما عثر في الحي على قطع تعود إلى عهد ماسنيسا، وإلى عهد الرومان، وأخرى للعهد النوميدي، ويوغورطا ويوبا الثاني بمنطقة قمار. كما استقر الوندال في أرض سوف أيضا. وحاول البيزنطيون إحكام سيطرتهم على السكان إلا إن قبائل نوميديا فجرت الثورة، وقد شارك فرسان سُوف في المقاومة الشعبية ضد خط الدفاع البيزنطي، وقاد الثورات زعماء من البربر الذين أضعفوا الحكم البيزنطي فتهاوى بسهولة وسقط لما قدم الفاتحون المسلمون.
ينقشع أمامك كل هذا الزخم التاريخي والحضاري، بنمط معماري مميز أملته الظروف الطبيعية أحيانا، وثقافة وأهل المنطقة كذلك. وهو امتداد للطابع المعماري العربي، والإسلامي كالأعمدة، والأقواس والقباب والتيجان.
تجتاز السوق العتيقة ومعها تجتاز أفول زمن بكامله. هنا في حضرته تلمس أصالة البناء من الدكاكين القديمة، وأبوابها الخشبية القديمة الطراز، إلى الأزقة الضيقة الطويلة المتعرجة، التي تتراص على جوانبها البيوت الحجرية، ذات الطراز القديم، وبلاط الأزقة المنزلق نحو التاريخ العتيق المسكون في أقبية حجرية ودكاكين حرفية. تبدو السوق قطعة فسيفسائية، معتقة بألوان تقتحمها فجأة، كل منها وليد حركته وزقاقه، ما أعطى السوق العتيقة مكانة متميزة.
وختمت المجلة زيارتها بدعوة إلى الاعتناء بالسوق وترميمها قبل أن تصبح أثرا بعد عين..





أضف تعليق:
0 comments: